عبد الملك الجويني

550

نهاية المطلب في دراية المذهب

فصل 10228 - قد ذكرنا أن الأم أولى بالحضانة قبل بلوغ الطفل مبلغ التمييز ، واستثنى الأئمة من هذا الفصل [ ما إذا أراد الأب أن يسافر ] ( 1 ) سفر النُّقلة ، ونحن نقول فيه : إذا أراد الأب المسافرة والانتقال إلى بلدة أخرى ، فيبطل اختصاصُ الأم بالحضانة إذا كانت تؤثر الإقامةَ ، والسبب فيه أن الأب إذا انتقل إلى ناحية أخرى ، وترك الولد في حضانة الأم [ فقد ] ( 2 ) يُفضي هذا إلى أن يندرس وينمحق نسبه ، وهذا يظهر أثره ووقعه في الحال والمآل ؛ فإن اشتهار الأنساب بالرجال ، والنسوة لازماتٌ خدورَهن ، لا يظهر من تفاوضهن أنساب المولودين . ثم الظاهر الذي مال إليه ذوو التحقيق أن هذا فيه إذا كان بين مكان الأم وبين الموضع الذي ينتقل الأب إليه مسافة إلى حد الطول ، وأقل مراتب السفر الطويل مرحلتان ، فإن كان الموضع الذي ينتقل إليه الأب دون هذه المسافة ، فليس له أن ينتزع الولد من الأم ؛ فإن النسب لا يخفى مع قرب الأب ، ووقوعه من الولد على مسافة قصيرة ؛ فإن طروق الوافدين والواردين من إحدى الناحيتين على الأخرى يُديم إشاعة النسب ، وإنما يفرض الخفاء عند طول المسافة ، ثم لا مرجع يُنتهى إليه ويتمسك به في الطول والقصر إلا ما ذكرناه . وفي طرق بعض الأصحاب ما يدل على أن الانتقال يُثبت للأب حق انتزاع المولود وإن لم تبلغ المسافة حدَّ الطول ، وهذا قد يمكن توجيهه بانقطاع نظر الأب عن رعاية المولود ؛ فإنه إذا كان حاضراً ، وكان الولد بمرأىً منه ومسمع ، فالأم كالمستنابة في الحضانة ولحاظُ الأب دائم ، وهو قائم عليه بالتأديب والذّبّ عند الحاجة ، وكأن الاستقلال في تربية الولد دون رجل في حكم التعطيل ، وإذا كان الرجل حاضراً ، فكأنه الأصل والأم معتضدة به ، وهي قائمةٌ بطرفٍ واحد من مصلحة المولود ، كغسله وتنقيته ووقايته من المخاوف .

--> ( 1 ) زيادة من المحقق اقتضاها السياق . ( 2 ) في الأصل : وقد .